أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
78
العقد الفريد
وامش الدبيب إذا مشيت لحاجة * حتى تصيب وديعة ليتيم « 1 » وقال بعض الظرفاء : أظهروا واللَّه سمتا * وعلى المنقوش داروا « 2 » وله صلّوا وصاموا * وله حجّوا وزاروا لو يرى فوق الثّريّا * ولهم ريش لطاروا ! فهؤلاء المراءون بأعمالهم ، العاملون للناس والتاركون للناس ، هم شرار الخلق وأراذل البرية . وقد فضل شربة النبيذ عليهم بإرسال الأنفس على السجية ، وإظهار المروءة ولست أصف بهذا منهم إلا دينا ، فليس في الناس صنف إلا ولهم حشو . ومن احتجاج المحلين للنبيذ ما رواه مالك بن أنس في موطئه من حديث أبي سعيد الخدري : أنه قدم من سفر فقدّم إليه لحم من لحوم الأضاحي ، فقال : ألم يكن رسول اللَّه صلّى اللّه عليه وسلّم نهاكم عن هذا بعد ثلاثة أيام ؟ فقالوا : قد كان بعدك من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فيها أمر . فخرج إلى الناس فسألهم ، فأخبروه أن رسول اللَّه قال : « كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام ، فكلوا وادّخروا وتصدقوا ؛ وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الدباء والمزفّت ، فانتبذوا وكل مسكر حرام ؛ وكنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها ولا تقولوا هجرا » . والحديثان صحيحان ، رواهما مالك بن أنس وأثبتهما في موطئه ، وإنما هو ناسخ ومنسوخ ؛ وإنما كان نهيه أن ينتبذ في الدباء والمزفت ، نهيا عن النبيذ الشديد ؛ لأن الأشربة فيهما تشتد ؛ ولا معنى للدباء والمزفت غير هذا . وقوله بعد هذا : « كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا ، وكل مسكر حرام » - إباحة لما كان حظر عليهم من النبيذ الشديد . وقوله صلّى اللَّه عليه وسلّم : « كل مسكر حرام » ، ينهاكم بذلك أن تشربوا حتى
--> ( 1 ) الدبيب : المشي البطيء . ( 2 ) السمت : السكينة والوقار .